ملك الكراسي – قصة قصيرة عن نضال اللاعنف

ملك الكراسي

دخل الطلاب الثلاثون إلى قاعة الصف الأول متوسط، وهذا هو اليوم الأول لهم في المدرسة في هذا العام الدراسي الجديد.

تفاجأ التلاميذ بأنه يوجد في قاعة الصف 6 كراس فقط في حين أن عددهم ثلاثين. كما وجدوا بأن الأستاذ يجلس على كرسي واحد ويضع خلفه 24 كرسي.

جلس على الكراسي ستة تلاميذ، ثلاثة منهم يكونون أبناء أخ الاستاذ، إثنان أولاد الاستاذ نفسه وتلميذ آخر إختاره الأستاذ بنفسه حين دخل الصف.

إحتار التلاميذ بأمرهم وأخذوا يتساءلون عن سبب تصرف الأستاذ هذا، فهم لن يستطيعوا أن يكملوا عامهم الدراسي هذا إن لم يستطيعوا الجلوس على كرسي .

مرت الأيام وزادت المعاناة والتلاميذ يحضرون الصفوف كل يوم ويعانون المشكلة نفسها: أي جلوس ست تلاميذ مختارين على ستة كراسي، وفي حال تجرأ أحد من الباقين وجلس على إحدى تلك الكراسي كان مصيره الطرد من الصف والتهديد بالإحتجاز بعد الدوام عقابا على فعلته تلك.

في يوم من الأيام، قام أحد التلامذة بسؤال أستاذه متوجها إليه بكل إحترام وتواضع قائلا: “يا سيدي نحن نأتي كل يوم من أماكن بعيدة جداً لكي نتعلم من عظمتك ونأخذ القليل مما تسمح لنا بأن نأخذه منك، ولكننا كل يوم نعاني الأمرّين ونحن واقفون طوال ست ساعات متتالية لنأخذ حصتك، ألا تفضلت وأشفقت علينا يا عظيمنا وأعطيتنا بضعة كراسي لي ولرفاقي الخمسة الذين يأتون معي من ذلك المكان البعيد”.

وأثار تصريح ذلك التلميذ  حنق أغلبية الواقفين وأغضبهم كثيراً، فكيف يتكلم هؤلاء الستة وكأنهم مجموعة منفصلة عن الصف ويطلبون لأنفسهم فقط بينما أن كل الصف يعاني وبحجة أنهم يأتون من أماكن بعيدة جداً.

ورأى الأستاذ ما جرى فقرر تنفيذ مشيئة هؤلاء التلاميذ الستة مما زاد من غضب الآخرين، على أن يعطيهم كرسيان فقط بحجة أنه لا يمكنه التفريط بموارد الصف فهو مسؤول أمام الإدارة التي تطلب منه أن يكون متأنيا ودقيقا في مصروفه  فموازنة المدرسة لا تتحمل كلفة التنظيف الذي سيسببه تجمع الغبرة على أطراف الكراسي إن أعطى كل تلميذ كرسياً.

إتفقت مجموعة الستة على أن تستعمل بالدور كرسي من تلك الكراسي بينما يستخدم رئيس المجموعة الكرسي الثاني فهو الذي تكلم بإسمها وجعلها تحصل على الكرسي،  فعليه أن يكون مرتاحا لكي يقوم بمهام قيادة المجموعة على أكمل وجه.

تشجع باقي التلاميذ من النجاح النسبي الذي حققته مجموعة الستة، وأخذوا يتكتلون مجموعات أطلقت على نفسها اسماء متعددة وأخذت تطالب الاستاذ بالنظر بوضعها وبأن “يشرفها  بأن يجعلها خادمته الأمينة، جهاز صفه”، كما صرح “بهيم” رئيس إحدى المجموعات.

إنقسم  الصف العتيد إلى مجموعات : مجموعة الستة أخضر ومجموعة الستة أزرق وبقي الثمانية الباقون متفرقين بلا مجموعة.

ثم قام الأستاذ بإعطاء كلٌ من المجموعات المتبقية كرسيان. وغذى الخلافات داخل المجموعات والمنافسة على كرسي القيادة الدائم، وأخذ تارة يدعم أحدهم وتارة يدعم أحد آخر، حتى أنه  جعل المجموعات تحارب بعضها البعض برمي الطباشير حتى اصابته يوما طبشورة فقام بطرد الجهة التي اتت منها تلك الطبشورة بمساعدة باقي الجهات ووزع كراسيها على الباقين.

كان الاستاذ يسيطر سيطرة تامة على الصف إذ أنّه قد أنشا مجلساً يضم رؤساء المجموعات بالإضافة إلى الخمسة الذين إختارهم وأبقى على ذلك المقعد السادس نظريا في متناول باقي التلاميذ كجائزة للأكثر إنضباطا وطاعة في الصف.

كان القرار دائما في يده في ذلك المجلس فكان له أكثرية الاصوات دائما.

كان الأستاذ يأخذ لوح شوكولا من كل مجموعة في كل إجتماع لمجلس التلامذة وكان كل رئيس مجموعة يأخذ لوح شوكولا واحد من كل عضو في مجموعته بحجة أنه يجب إرسال الهدايا لباقي المجموعات حفاظا على العلاقات الطلابية الحسنة، فكانوا يستضيفون بعضهم البعض على مأدبة شوكولا من وقت إلى  آخر في فترات اللعب في الملعب.

كان من وقت إلى آخر يثور أحد الثمانية مطالبا بكرسي وكان يطرد من الصف شر طرد، وفي إحدى المرات طرد الأستاذ احدهم من المدرسة عقابا على تصرفاته التي أضرت “بالهدوء الصفي” فتعلم الجميع بعدها أن لا يطالبوا بشيء وأقروا بعجزهم عن المطالبة بكرسي.

ومرت السنوات وبقيت الحال كما هي وذهب طلاب وأتى طلاب آخرين وبقي الاستاذ في مركزه يضبط الصف بمساعدة الخمسة ورؤساء المجموعات، وفي حين إلى حين، كان يعمد إلى تهديد إحدى المجموعات بأن يأخذ منها كراسيها إن إستمرت تتكلّم وهو يشرح، وحين يرى رسائل متبادلة بين تلميذ من مجموعة معينة مع تلميذ  من مجموعة أخرى كان يرخي حبل النظام مع التلامذة فتسود الفوضى في الصف فيعود الجميع ويلجأ إليه لتحسين الوضع وإعادة “الهدوء الصفي”.

دخل “علوش” تلك المدرسة في الصف الاول الثانوي ، وكان ذلك الاستاذ قد نشر طريقته الناجحة في إدارة شؤون صفه حتى أن كل صفوف المدرسة العتيدة أصبحت تعتمد طريقته وعينه الاساتذة مديرا مكافأة له على حسن تدبيره وعلى جلبه النجاح المستمر والساحق للمدرسة واساتذتها وتلاميذها.

أتى “علوش” من مدرسة تستعمل اسلوبا مختلفاً في التعليم، وكان قد أخذ صفوفا فيها عن حقوق الطلاب، وحين دخل تلك المدرسة تفاجأ بما يحصل وبأنه لا يستطيع الجلوس على كرسي، فقرر المطالبة بحقه في الحصول على كرسي، وبدأ يرسم خطة كاملة ليحقق ما يريده.

حاول في البدء الدخول في إحدى المجموعات علّه يصل إلى رئاسة المجموعة ويصبح له كرسي دائم، ولكنه تفاجا حين عرف بأن كل الطلاب الباقين يفكرون بنفس الطريقة وعندهم جميعا نفس الطموح، وبعد عدة محاولات باءت بالفشل إستطاع الخروج من ذلك الحلم محافظا على قوته التي أراد أن يستعملها في غير التقاتل على الرئاسة. وتعرف إلى “ميمي” التي أخبرته كيف بدأت تلك القصة، وكانت “ميمي” فتاة رصينة ذكية ولكنها لم تكن تعرف شيئا عن حقوق الطلاب بما أن هذه المادة لم تكن تعلّم في مدرستها، فكانت تستمع لـ”علوش” وتستوضح منه بضعة مفاهيم من حين إلى آخر، فأخبرها “علوش” بان المدرسة لا بد وأن تكون عاقدة إتفاقات مع وزارة التربية وتلك الإتفاقات تذكر الكثير عن حقوق الطلاب، وأنه على كل مدرسة أن تعدل أنظمتها للتناسب مع إتفاقات وزارة التربية. قرر علوش بعد أن تعب من التفكير أن يضع قشرة موز للأستاذ فيقع ويفجم رأسه ويموت وهكذا يقضي على الآفة من المنبع، ولكنه لم ينتبه أن تلك الآفة كانت قد إنتشرت وإستفحلت وأن ذلك الاستاذ كان قد صنع  كل الأساتذة مثله وسرعان ما إنتخب الاساتذة مديراُ آخراُ ولكنه كان أقوى وأشد وظل يبحث حتى وجد من وضع تلك القشرة فعرف أنه علوش ، وعاقبه أشد عقاب وطرده من المدرسة وسلمه للشرطة التي سلمته للقضاء الذي حاكمه واصدر حكما عليه بالإعدام وأعدمه.

وإستمرت الإدارة الجديدة تحافظ على الهدوء الصفي، وتقنن بإستعمال موارد المدرسة حفاظا على مصلحة التلامذة.

أعطى ما فعله علوش لميمي ما كانت محتاجة له بالظبط، الرغبة بالمعرفة والقدرة على التفتيش عن تلك المعرفة.

حاولت ميمي مساعدة علوش ولكنها عرفت بأن جريمة علوش كانت بأنه أعطى الإدارة الحجة اللازمة لتطرده وتسلمه للمحاكمة وتعدمه، وبذلك تقضي على ظاهرة علوش وما تحمله بداخلها من حقوق للطلاب.

عرفت ميمي بأن ما طالب به علوش كان محق، ولكنها عرفت أيضا بأن الاسلوب الذي إتبعه علوش كان أسلوبا خاسرا من دون محال خاصة وأن الإدارة تعاقدت مع شركة حماية خاصة بعد حادثة علوش لتأمن الحماية للأساتذة من طلاب “منحرفين” أمثال علوش من مَن يريدون القضاء على إستقرار وهدوء المدرسة.

كان لديها حل من إثنين إما أن تؤمن مصلحتها عبر  المشاركة في هذا النظام ولكنها لن تستطيع لأن النظام لا يستطيع إستقبال الجميع فهو يستطيع إستيعاب عدد محدود من المستفيدين. أو أن تبقى من دون كرسي فتأخذ درسها وتشكر حظها الجيد بأنها على الأقل محظوظة بأنها تتعلم. ولكنها كانت متأكدة من وجود طريقة اخرى تسمح لها بأن لا تبقى في ذلك الوضع.

بحثت ميمي عن ذلك الحل الذي سيساعدها للخروج من ذلك الوضع ، حل نسبة نجاحه تكون كبيرة، ونسبة فشله ضئيلة، حل وإن إعتمدته لن يضر بها أو بقضيتها، وبعد عناء وجهد ، وجدت ميمي الحل!!!

إن سلطة الاستاذ نابعة من رضوخ التلاميذ له، فإن رفضَ التلاميذ الخضوع والطاعة للأستاذ ونظامه التعليمي فسيجردوه من شرعيته، خاصة وأن وجوده في الاساس مستند على حجة تحقيق مصلحة التلاميذ وهو دائما يتحجج بشرعيته التي يؤمنها له رؤوساء المجموعات مع تابعيهم الذين يشكلون أغلبية.

ولكن كيف تبدأ ميمي بهذا الحل، فهي لوحدها، لن تستطيع أن تجرده من شرعيته إن رفضت الطاعة، بل بالعكس سوف تعطيه حجة ليطردها من الصف.

ذهبت ميمي وبدأت تبحث أولا في القوانين الداخلية للمدرسة، فإن وجدت اي نص أو مادة تأكد حقها بالحصول على الكرسي كان أسهل عليها المطالبة بهذا الحق. فالعمل الأول المفروض أن تفعله هو أن تبحث عن مسند قانوني لها يكون الداعم الأساسي لها، خاصة وأن الاستاذ يقول دائما: “أنا تحت القانون”.

وبعد أن تبحث بالقوانين الداخلية عليها البحث في الإتفاقات المعقودة بين المدرسة ووزارة التربية لأن المدرسة مجبرة على تنفيذ إتفاقاتها المعقودة مع وزارة التربية. فإن وجدت أي نص يدعم قضيتها كان من الممكن لها التوجه نحو وزارة التربية وعرض قضيتها عند السؤولين هناك الأمر الذي سيؤدي إلى ضغط على المدرسة من أجل تنفيذ الإتفاقات المعقودة خاصة وأن المدرسة تربطها بوزارة التربية مصالح أساسية مهمة وهي تحتاج إلى  موافقة وزارة التربية على وجودها كي تبقي قوية ولكي لا تطالب باقي المدارس بأن تقفل هذه المدرسة أبوابها بحجة أنها تخالف الإتفاقات، طمعا بالحصول على تلاميذ هذه المدرسة.

فبحال وجدت ذلك النص فبإمكانها أن تنظم عريضة وتجعل الطلاب يوقعون عليها مطالبة بشكل واضح ما تريد، ذاكرة النص المستندة إليه في مطلبها هذا.

وبعد بحث جهيد وجدت أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يمنع بمادته الخامسة أن يتعرض اي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة. وإعتبرت ميمي أن وقوفها طوال ستة ساعات لحضور صف يندرج تحت إطار المعاملة القاسية والوحشية وهو أمر ممنوع بشكل واضح وصريح وجازم في تلك الإتفاقية.

وببحثها وجدت أيضا العديد من الحقوق المذكورة في ذلك الإعلان، مثلا المادة التاسعة عشرة التي تقول: “لكل شخص الحق في حرية الراي والتعبير. ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الاراء دون أي تدخل. وإستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها واذاعتها بأية وسيلة كانت دون التقيد بالحدود الجغرافية”. وبالتالي فهي لديها الحق بأن تطالب وتعبر عن رأيها أمام أستاذها بكل حرية ويمكنها أن تنشر ما تعلمته وتوزع مناشير من دون ان تأخذ إذن الإدارة، تعبر بها عن رأيها.

والمادة العشرون تقول:” لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والتجماعات السلمية”. وبالتالي يمكنها أن تؤسس جماعتها الخاصة من دون موافقة الاستاذ ويمكنها أن تشترك في أي تجمع كان مثل مظاهرة أو إعتصام أو غيره، وهو أمر ليس من المفروض أخذ موافقة أحد عليه لأنه حق أساسي ولد معها وبالتالي هذا الحق مثله مثل الحق بأن تتنفس وأن تعيش فكل الحقوق المنصوص عليها بهذا الإعلان هي حقوق تولد مع الإنسان وتموت معه فهي ما يسمى بالحقوق الشخصية التي لا يمكن لأي إنسان التفرغ عنها أو توريثها أو إمضاء أي تعهد بالتنازل عن حقه بالحياة مثلا أو عن حقه بالحرية أو المشاركة بالعمل السياسي أو عن حقه بعدم التعرض للتعذيب.

تفاجأت ميمي بمقدار الحقوق التي تتمتع بها والتي تمتعت بها منذ أن ولدت وتفاجأت كيف أنها لم تعرف كل هذه الحقوق من قبل وقالت في قرارة نفسها: الآن عرفت لما كل الصف يسكت ولا يتكلم فهو لا يعرف حقوقه وإن لم يكن يعرف حقوقه فكيف سيطالب بها؟ وبالتالي المفتاح الأساسي للتخلص من دكتاتورية الاستاذ تكون بمعرفة الطلاب لحقوقهم.

ولكن معرفة هذه الحقوق لا تكفي فعلوش كان يعرف حقوقه ولكنه لم يعرف الطريقة الفضلى للمطالبة بها. وبالتالي يجب أن يعرف الطلاب أيضا كيف يطالبوا بهذه الحقوق.

قرأت ميمي في إحدى المرات :”الطاعة والمقاومة فضيلتان من فضائل المواطن بالأولى يحقق النظام وبالثانية يحقق الحرية”. وعرفة أنه ولإعادة حقوقها المسلوبة جورا وظلما، عليها أن تقاوم وتتمرد على الظلم والظالمين.

ولكن لن يمكنها أن تضع قشر موز للجميع وهذه الوسيلة ستكون حجة لكي يتم القضاء عليها وعلى حركتها.

بعد بحث جهيد إستطاعت الوصول إلى بعض الكتب التي تتكلم عن تجارب تلاميذ آخرين إستطاعوا عبر إعتماد مجموعة من الاساليب التي أطلقوا عليها تسمية اللاعنف، من الوصول إلى مبتغاهم وتحقيق النجاح.  تفاجات بالكم الكبير من النجاحات التي حققتها تلك الأساليب عبر التاريخ ومن بساطة مفاهيمها واسسها المعتمدة على عدم تعاون الطلاب مع اساتذتهم وتجريد هؤلاء الأساتذة من شرعية وجودهم وبقائهم المستندة إلى قبول التلامذة ورضوخهم ، فعرفت ان عدوها الأول هو الرضوخ والإذعان وقررت النضال والمقاومة. وزاد إعتقادها بضرورة المواجهة اللاعنيفة عندما قرأت في إحدى الكتب العبارة التالية: “عندما نتكلم على عبثية إعتماد العنف في مواجهة الظلم لا نقصد بذلك أن البديل هو التعايش مع هذا الظلم من باب إدارة “الخد الآخر”. بل إن ما نقصده هو المواجهة الحقيقية والمدروسة التي تتم  بإجتماع المقهورين, وإعلان رفضهم لحالة الغبن, وتخطيطهم لإلغائها, وإرساء حالة من العدالة والحرية تنصف الجميع.”

لم تجد ميمي افضل من هذه الجملة لتضعها كهدف لها، سوف تعمل على تجميع المقهورين أولاً، تعليمهم حقوقهم، ومن ثم تعليمهم كيفية مواجهة السلطة القامعة والمنتهكة لهذه الحقوق بأفضل الطرق الممكنة،  ومن ثم العمل على أن تأتي سلطة ديمقراطية بعد وضع قانون عادل تعمل  لحماية هذا القانون وتطبيقه على الجميع بالتساوي، وبالتالي القضاء على ديكتاتورية ملك الكراسي (وهو الإسم الذي إختارته للأستاذ تطبيقا لأسلوب لا عنفي يندرج تحت إطار باب المضايقة اللاعنفية  وهو عبارة عن مضايقة نفسية, من خلال ممارسة ضغوط فردية او جماعية على فرد او أكثر من المعنيين بموضوع النزاع. ومن وسائل المضايقة اللاعنفية اسلوب “الملاحقة” الذي يتلخص بمواكبة الآخر والبقاء معه على الدوام, واسلوب “التوبيخ الساخر” الذي مفاده مناداة الخصم وإطلاق الاتهامات ضده.

وهذا الأسلوب يهدف إلى التأثير على نظرة التلامذة للاستاذ ملك الكراسي، وذلك من أجل إظهار الوجه الحقيقي له الذي لا يهمه مصلحة الطلاب ولا إحتياجاتهم بل يهمه الكراسي الأمر الذي سيؤدي بالنهاية إلى زيادة عدد الرافضين لسلطته كمدير للمدرسة.

حاولت ميمي ان تجد من يساعدها ولكنها لن تقوم بعمل قد يلفت الأنظار إليها خاصة وأنها ما زالت لوحدها ولا يمكنها أن تحارب المدرسة في هذا الوقت. فذهبت وطبعت منشورات والصقتها في الحمامات من دون أن يراها احد مكتوب عليها:

“المقاومة المدرسية سوف تظل تتصدى بكامل قوتها لملك الكراسي . نعم لللاعنف ونعم لحقوق الطلاب

وهذه الجملة تهدف إلى أن تلفت انظار الطلاب إلى أنه يوجد أحد ما يعمل على تغيير الواقع الأمر الذي يحضّرهم في المستقبل للإنضمام إلى صفوف المقاومة الطلابية والعمل على التغيير. وعملت ميمي على أن يكون الملصق بصيغة الجمع فيعطي إستنتاج للقارئ أن هناك مجموعة تعمل، الأمر الذي يشجع أشخاص اكثر للإنضمام ويساهم بخلق حالة من الخوف لدى ملك الكراسي لأن مجموعة تعمل ضده ستسبب له خوفا أكبر من أن يكون هناك شخص واحد يعمل. وعملت أيضا على ذكر أن المجموعة تعمل باسلوب اللاعنف وتدعم حقوق الطلاب مما يجرد ملك الكراسي من أي حجة ليضرب صفوف المقاومة ويخلق حالة دعم من قبل التلاميذ على أن هذه المجموعة تريد حقوق الطلاب، حتى ولو كانت أغلبية التلاميذ لا تعرف ما هي حقوق الطلاب.

من الامور التي لم تنتبه لها ميمي أنه من الممكن أن يكون هناك الكثير من الطلاب الذين يريدون القضاء على حكم ملك الكراسي، وأنه عبر لصق هذه الملصقات سوف تشجعهم على القيام بأعمال شبيهة.

لم يمر أسبوع حتى أصبحت الحمامات تعج بملصقات أخرى لمجموعات آخرى تتكلم ضد ملك الكراسي ولكن ما أعجب ميمي أنها كلها تطلق على المدير لقب ملك الكراسي وعلى الاساتذة لقب حاشية ملك الكراسي، ولكن إحدى تلك المجموعات التي أطلقت على نفسها إسم” جحيم الإدارات”، كانت تدعو كل الطلاب إلى رمي قشر الموز ليقع الأساتذة غير عابئة بما يمكن أن يحصل للتلامذة إن وقع أحدهم بسبب قشرة موزة ولم ينتبه هؤلاء ان الموز يكلف الكثير من المال ولا يمكن للتلامذة أن يؤمنوا ثمنه ومن دون شك يعطي حجة لملك الكراسي لتشديد القمع والأمن في المدرسة بحجة حماية التلامذة من قشر الموز.

عرفت ميمي أن عليها التحرك فورا من أجل وقف موجة العنف الآتية فلا يمكنها بعد اليوم العمل بسرية بل عليها الخروج إلى العلن متسلحة بحقها المنصوص عنه بالإتفاقات والقوانين.

كان قد سبق لها أن تواصلت مع ثلاثة تلاميذ وكانت قد دربتهم على أساليب اللاعنف وحضروا سوية العديد من الدورات التدريبية التي تتكلم عن حقوق الإنسان والتلاميذ، وكانوا قد كونوا شبكة معارف كبيرة من ناشطي المجتمع المدني وحقوق الإنسان المحلية والعالمية الذين وعدوهم بالتحرك دعما لقضيتهم.

بدأت مجموعة المقاومة الطلابية اللاعنفية كما سميت نفسها  بتجميع كل المواد القانونية التي تدعم موقفها ووضعتها في منشور بالإضافة إلى موقفها من جماعة “جحيم الإدارت” ورفضها الصريح والواضح لأساليب العنف التي تشجع على إتباعها مطالبة الإدارة بتوزيع الكراسي على كل التلاميذ لأن هذا حق لهم كما تقول كل القوانين.

قامت مجموعة “مطل”   بتوزيع هذه المناشير في المدرسة مما أثار جلبة قوية جعلت كل الاساتذة يتكتلون منددين بعملها الذين أطلقوا عليه صفة “الهجوم الإستفزازي” غير المبرر. أجابهم فؤاد الطالب الناشط في “مطل” والذي تسلم مسؤولية الإعلام بسبب قدرته القوية على الإقناع، الذي تم إستدعائه إلى مكتب المدير مع باقي المجموعة، بأنهم لا يفعلون أي أمر خاطئ والدليل هو كل تلك المواثيق والقوانين التي تقول أنه حق لهم أن يفعلوا كل هذا، وأضاف بأن مساعد وزير التربية الذي إستضافهم من يومين أكد لهم أنه حق لهم المطالبة بما يريدون،  طالما أنهم لا يمارسون العنف في سبيل تحقيق مطالبهم.

رأت المجموعة كيف ظهر الرعب على وجه المدير حين سمع بإسم مساعد وزير التربية، وأذن لهم الإنصراف وشدد أنه لا يريدهم أن يثيروا هكذا جلبة من جديد وإلا سيطردهم.

عادت مجموعة “مطل” إلى صفوفها وبعكس ما توقعوا كان أغلبية الطلاب  يعارضونهم وقام أحد الطلبة من رؤوساء المجموعة بشتم “ميمي” متوقعا منها أن ترد عليه بطريقة عنيفة فيأخذ حجة ويشكيها إلى المدير ويتم طردها. خافت المجموعات على مكتسباتها، وساهم بهذا الأمر رؤوساء المجموعات في الصفوف التي وزعت مناشير تتهم مجموعة “مطل”  بالعمل للمدرسة المنافسة وبأنها تريد القضاء على الحرية والسلام والإستقرار الموجودة  في المدرسة لأهداف خارجية.

ولكن إعتبر بعض الطلاب أن ما حققته مجموعة ” مطل” كان إنتصاراً، وتواصلوا معهم حتى أن مجموعة “جحيم الإدارات” أرسلت موفداً للتكلم مع “مطل”.

أخذت “مطل” تجتمع بمجموعات المقاومة الطلابية الأخرى وتنظم الدورات التثقيفية والتدريبية حتى أنها إستطاعت أن تؤلف شبكة من خمسين طالبا يعرفون حقوقهم ويعرفون كيف يطالبون بها.

لم يمر يوم من قيام مجموعة “مطل” بأول عملية لها ، حتى إستدعت الإدارة أعضائها وهددة بطردهم من المدرسة وبأن لا تدعهم ينجحون سنتهم الدراسية وإلى ما هنالك من تهديدات، الأمر الذي أثر كثيرا على معنويات الفريق مما جعل بعضهم ينفصل والبعض الأخر بدأ يعمل مع “ملك الكراسي” ويخبره بكل ما يخطط له إتحاد المقاومة الطلابية المؤلف من تكتل المقاومين والمقاومات.

ولكن كان لديهم تنظيم قوي جداً مؤلف من مسؤولين موثوق بهم وشبكة تواصل وإتصال تعمل بجدية كبيرة.

إتصلت ميمي بمسؤولي الإتحاد، ودعتهم إلى منزلها لعقد خلوة تستمر يومان يضعوا خلالها خطة إستراتيجية مفصلة يستطيعوا من خلالها القضاء على الحكم الديكتاتوري لملك الكراسي.

كانت الخطة الموضوعة مؤلفة من ثلاثة أبواب وكل باب مؤلف من أربعة فصول وكل فصل مؤلف من خمسة أقسام.

وضعت الخطة بطريقة أنه لا تنشر كل أقسامها على العلن بل ينشر كل جزء بشكل منفصل.

تكلم الباب الأول عن تنظيم المهام وتوزيعها بشكل جدي أخذاً بالمبدأ القائل: “الشخص المناسب في المكان المناسب”، واضعا اسماء بديلة يستلمون المهام إن حدث أي طارئ لأحد المسؤولين.

الباب الثاني تكلم عن تسلسل الاحداث التي من المفترض إقامتها حتى الوصول إلى النصر.

الباب الثالث تكلم عن خطة ما بعد الإنتصار وكيفية إستثمار هذا الإنتصار وضمان عدم سيطرة ملك كراسي آخر.

أتى نهار الإثنين وكان مسؤولي المهام قد إجتمعوا بباقي الأفراد وأطلعوهم على القسم الاول من الخطة.

جرى طبع مناشير جديدة بإسم التكتل تدعو كافة الطلاب إلى التجمع خارج المدرسة نهار الاربعاء تعبيراً عن تضامنهم مع مطلب التحالف ودعما له.

تم صنع يافطات كبيرة تطالب بحق الطالب بكرسي وأعتمد شعار “كرسي لكل طالب” وأصرت الكلمات على حق الطلاب بالجلوس خلال فترة دوام المدرسة، واشار إلى الإمتيازات الموزعة على بعض الطلاب دون غيرهم وتم ذكر الارقام الكبيرة للشوكولا الذي يتم ربحه شهريا من خلال هذه الإمتيازات.

إستطاع التحالف تأمين تغطية إعلامية بسيطة، ما لبثت أن أثارت إهتمام باقي وسائل الإعلام فاعطت التحالف تغطية إعلامية مكنته من ضم ناشطين من مدارس أخرى داعمين لهذه المطالب المحقة.

لم تتوقف إدارة “ملك الكراسي” عن مضايقة التلاميذ بل بالعكس زادت مع كل نجاح يحققه التحالف، حتى أنه طرد أربعة طلاب إعتبرهم قواد هذه التحركات من بينهم “ميمي” ، ولكن ما لم يكن ينتظره ملك الكراسي وحلفائه هو أن وجود هؤلاء الطلاب الاربعة لم يكن له الأثر الكبير لأن التحالف كان قد أخذ بعين الإعتبار إحتمال أن يتم إعتقال بعض المسؤولين وكان البدائل حاضرين ليتسلموا مهامهم.

دعى التحالف عبر مناشير وزعها إلى التوقف عن الدروس نهار الإثنين القادم إحتجاجاً على طرد الطلاب الأربعة ، مطالبين التراجع عن هذا القرار الظالم.

ولكن رد الإدارة كان أن طردت ثلاثة طلاب آخرين بحجة إثارت الشغب في الملعب، والذي حصل أنهم كانوا يوزعون مناشير في الملعب فقدم عشرة طلاب من مناصري” ملك الكراسي” وإنهالوا بالضرب على الطلاب الثلاثة الأمر الذي أدى إلى جرح واحد منهم ونقله إلى مكتب الممرضة لتلقي العلاجات اللازمة، وبدل أن يقوم المدير بمحاسبة الطلاب المعتدين قلم بطرد الطلاب الثلاثة، ولكن ما لم يكن ينتظره ذلك المدير، انه كان هناك ثلاثة كاميرات في محيط ذلك المكان ، إستطاعت تصوير ما حدث، ونقلته إلى وسائل الإعلام التي ابدت إهتماما كبيرا به، وتم نشر صور التعدي وتم توزيع المناشير التي تدعو إلى الإضراب المفتوح عن الدرس حتى العودة عن قرار الطرد. وبدأ الطلاب إعتصاما مفتوحاً أمام المدرسة، فعلقوا اليافطات وكانوا يدعون إلى تجمعات يومية أمام المدرسة.

ولكن ظلت المدرسة مستمرة وظل كل المستفيدين من النظام يحضرون الصفوف بشكل نظامي وظلوا يعملون ضد الإتحاد.

بالرغم من الجلبة التي اثارتها تحركات الطلاب، ظلت الإدارة على موقفها الرافض التفاوض مع الطلاب، الذين تطلق عليهم تسمية “المشاغبين رافضي العلم”.

إقترحت إحدى المقاومات أن يتجمع الطلاب كل يوم أمام المدرسة ويقفوا طوال فترة الدراسة وذلك للإشارة إلى ظلم النظام القائم بالمدرسة، إستوحت هذه الطالبة طريقتها من مثل صيني قديم عن أحد القضاة المدعو “لو” ويندرج عمله تحت إطار تعريض الذات للعناصر الطبيعية وتخبر  القصة أنه كان هناك اخوان يتقاتلان دون توقف, قال لهما القاضي ‘لو‘ : ” إن لم يكن الاخوان منسجمين, فهذا يشكل تغييرا كبيرا في العلاقات الانسانية. أنا والد هذا الشعب ووالدته. وبالتالي فالذنب ذنبي إذا لم اعلمكما جيداً “. ثم ركع على الارض تحت الشمس الحارقة. تأثر الفريقان المتحاربان وبكيا. ومنذ ذلك الحين قامت بينهما افضل العلاقات .

ولكن قالت فرفورة وهي ناشطة من مدرسة أخرى : بانه من الافضل أن يأتي السبعة المطرودين ويقفوا لوحدهم هنا أمام باب المدرسة ويعلنون أنهم سوف يضربون عن الطعام حتى تنفيذ مطالبهم وهي السماح لهم بالعودة لحضور الصفوف.

برز رأي مخالف يقول بأنه على الطلاب أن يقسموا أنفسهم مجموعات تذهب إلى أماكن سكن المدير والاساتذة اعضاء مجلس الادارة وتقوم بحملة مضايقة لا عنفية لهم داعية جيرانهم مقاطعتهم إجتماعيا كما حدث عام 1919, خلال النضال ضد الحكم البريطاني, حيث مورست المقاطعة الاجتماعية ضد اعضاء الشرطة الملكية الايرلندية وعائلاتهم. وبعكس رجال الشرطة البريطانيين, كان افراد الشرطة الملكية الايرلندية يحملون اسلحة, ويتم توزيعهم داخل معسكرات في مختلف انحاء البلاد. قال شارل موات:

سياسة المقاطعة الاجتماعية, التي شملت رفض بيع الطعام الى هذه الشرطة, اضعفت معنوياتهم اكثر مما اضعفها مقتل بضعة افراد منهم, او احتمال مقتل آخرين. كان معظم افراد هذه القوة من الايرلنديين, فاستقالوا من وظائفهم بأعداد كبيرة. ولم يتقدم متطوعون جدد للحلول محلهم. ووصف موات هذا التصرف على انه كان افضل الاسلحة و اكثرها فعالية.

وقامت إحدى الفتيات من إحدى جمعيات حقوق الإنسان الداعمة للتحرك بإقتراح تشكيل وفد نسائي يذهب إلى بيت المدير والاساتذة ليقابل أزواجهم ويعرض عليهم دعمهم. وأخبرت هذه القصة التي قرأتها في كتابات “جين شارب” المؤرخ اللاعنفي:” في حدود سنة 1600, قررت النساء المطالبات بالمساواة مع الرجال اجتماعيا وسياسيا أنهن شبعن من الحروب غير المنظمة التي يخوضها رجالهنّ. واعلنت هذه النساء الامتناع عن اقامة العلاقات الجنسية مع ازواجهن وانجاب الاطفال, لأنهن لن يلدن محاربين جدد, إلا بعد أن يتنازل الرجال عن حق تقرير الحرب والسلم(….) نجح عصيان النساء المطالبات بالمساواة مع الرجال اجتماعيا وسياسياً.”

وكانت كل تلك الافكار جيدة جداً وتشكلت الوفود والمجموعات وأخذت القرارات بتنفيذ كل منها.

قرر الطلاب الدخول إلى المدرسة من جديد وتعليق إعتصامهم واللجوء إلى طرق أخرى من طرق النضال اللاعنفي. فقرروا أولا مقاطعة محل بيع المأكولات في ملعب المدرسة الذي يديره أحد المقربين من المدير، وقرروا أن يحاولوا التفتيش عن شخص مقرب من الإدارة أو الأساتذة من داخل المدرسة قد يظهر أي تعاطف معهم ومع قضيتهم، ولكنهم قرروا أن يوقفوا الدروس، فكانوا يسألون الاساتذة أسئلة سخيفة جداً عن الدرس ويحاولون المماطلة قدر المستطاع في التعامل مع الاساتذة وطلباتهم، وكانوا يخلقون جواً متوتراً في المدرسة، فالمدير لا يمكنه طرد سبعين تلميذاً من المدرسة وهم لم يكونوا فعلا يخالفون القانون بل كانوا يمارسون إذعان واضح يخفي استراتيجيا عدم خضوع و يندمج بها, كانوا يمارسون أيضا ما يمكن وصفه بأنها تكتيكات حذرة او مماطلة مهذبة.

لكن غرور المدير كان أكبر من السماح لحفنة من التلامذة بتحدي سلطته، فقام وانتقاما من التلاميذ بجمع الطلاب في الملعب قائلا:

يا أيها التلاميذ الأعزاء وجدنا وبعد بحث وتدقيق بأنه من واجبنا تقديم المساعدة لتلامذتنا لتحصيل العلم وبناء مستقبل لامع لكل منكم، وقررنا بأننا سوف نزيد عدد الكراسي في الصف بنسبة خمسة كراس يذهب ثلاثة منها لكل مجموعة من المجموعات الثلاثة، وإثنان للطلاب الذين يسمون أنفسهم بطلاب المقاومة.

بدء البعض من الطلاب بالتهييص فرحا بهذا الإنتصار، وقدم آخرون يهنئون الطلاب ويشكروهم على جهدهم، ويدعونهم للإحتفال بمناسبة إنتهاء الاضطرابات، ولكن افراد المقاومة الطلابية لم يفرحوا بهذا النصر المزعوم، فعقدوا إجتماعاً طارئا، وأخذوا يناقشون خطوة ملك الكراسي وأعوانه، ووجدوا أنها لعبة خطرة قد تطيح بكل نضالهم، فالمدير لم يتراجع عن قراره بطرد الطلاب السبعة وأول مبدأ لأفراد المقاومة هو أنه يمنع منعا باتا ترك أي رفيق مطروداً من المدرسة وهو عهد أخذه الجميع على أنفسهم، حماية لبعضهم البعض ولتحركهم.

قرر  الطلاب الرد بشكل قوي على المدير، فقرروا تنظيم مظاهرة ضخمة تضم طلاب من مدارس آخرى متحالفة مع الإتحاد رافضين هذه الالعوبة كما اسموها.

في هذا الوقت كان الطلاب قد أسسوا سوق سوداء لبيع المؤكلات بديل عن المحل الموجود في ملعب المدرسة وذلك تشبها بما كان يقام من أسواق بديلة أو ما يسمى بالسوق السوداء وتلك الاسواق غير الشرعية او “السوداء”, التي تنشط بشكل خاص خلال الحروب او تحت الاحتلال, تعتبر عموما من الاعمال الانتهازية ذات الاهداف الانانية. ولكن في بعض الحالات, تكون قنوات شراء المواد الغذائية وبيعها اداة من ادوات التدخل الاقتصادي اللاعنفي .

قام الطلاب السبعة برفع قضيتهم امام وزارة التربية وأقاموا دعوة على المدرسة مطالبين بإنصافهم وإعادتهم إلى صفوفهم، وتم التواصل مع منظمات تعنى بحقوق الطلاب لمساعدتهم، وفي يوم المحاكمة أوقف الطلاب الدروس في المدرسة وتوجهوا في تلك المظاهرة الضخمة إلى مركز المحكمة منددين بتصرف الإدارة.

قرر التلاميذ السبعة أن يربطوا أنفسهم على بوابة المدرسة ويربطوا عليها جنزير حديد لمنعها من أن تفتح لإستقبال الطلاب الامر الذي سيؤدي لإعتقالهم. واتفقوا مع باقي الطلاب بأن ينضموا إليهم ويجلسوا على الارض ولا يسمحوا للشرطة أن تعتقلهم الأمر الذي أدى إلى نزول أكثر من ألفي طالب من كل المدارس الباقية دعما لقضية الطلاب السبعة، ووقفوا كدروع بشرية تحمي هؤلاء الطلاب من الإعتقال.

وصلت قضية الحق بكرسي إلى أقصى بقاع الارض، وبدء يأتي الدعم البشري والمادي، وبدأت تنظم الإعتصامات حول العالم دعما لقضية التلامذة السبعة.

وقرر الطلاب المعتصمين بأنه وبحالة هجوم الشرطة عليهم فإنهم سيمارسون ما فعله أحد المناضلين ضد الحرب في الولايات المتحدة ممارسا طريقة أطلق عليها تسمية عدم التعاون الكليّ من قبل الفرد.

تعاون بيشوب مبدئيا مع برنامج الخدمة العسكرية البديل الذي تم وضعه لدعاة مقاطعة الحرب, وهو برنامج الخدمة المدنية العامة, ولكن مع مرور الوقت استنتج أنّ معتقداته تفرض عليه وقف التعاون مهما كان شكله. بعد أن رفض الاستمرار في العمل وفق برنامج الخدمة المدنية العامة, ألقي القبض عليه في 9 ايلول 1944. خلال اقامته في السجن الفدرالي في ميلان ميتشيغان, رفض تناول الطعام والوقوف او ارتداء الملابس, وتمت تغذيته قسريا بواسطة انبوب. قدم الى المحاكمة بعد قضاء ستة وثمانين يوما في السجن بتهمة مغادرة معسكر برنامج الخدمة المدنية العامة. لكن القاضي قرر اخلاء سبيله بدون كفالة الى أن يتم اصدار الحكم النهائي. رفض بيشوب حضور جلسة المحاكمة فأعيد توقيفه في فيلادلفيا في 20 شباط 1945. امتنع عن الحركة وظل ممتنعا عنها خلال جلسات المحاكمة, وقال لمفوض الحكومة الفدرالية: ” لن اتعاون بأي شكل أو بأي طريقة. لقد نقلوني الى هنا, فإذا قررت الاحتفاظ بي عليك أن تنقلني الى الخارج. الحرب عمل شرير ولا اريد أن يكون لي أي ضلع فيها.” نقل جسده الساكن الى قاعة المحكمة في فيلادلفيا في 26 شباط, وأعيد بعد انتهاء المحاكمة الى مدينة غراند رابيدس حيث حكم عليه بغرامة وبالسجن لمدة اربع سنوات. استمر بيشوب في عدم التعاون الشخصي الكليّ; وفي النهاية, وبعد أن امضى144 يوما في السجن, أطلق سراحه بدون اخذ وعد شرف منه, وبدون أن يوقع أيّ تعهد أو يعطي أيّ وعود بموجب خطة إطلاق السراح الكشروط الخاصة الصادرة بموجب الامر التنفيذي 8641. مع ذلك كان عليه ان يعمل في مزرعة تعاونية في ولاية جورجيا. عندما رفض القيام بذلك, ألقي القبض عليه مجددا في الاول من شهر ايلول في مدينة بيريا في اوهايو, ووجهت اليه هذه المرة تهمة انتهاك وعد الشرف. امتنع مجددا عن الحركة واستأنف عدم التعاون الشخصي الكلي, واعيد الى سجن ميلان لإكمال مدة عقوبته. بعدما رفض بيشوب بشكل مستمر أن يفعل اي شيئ, ونتيجة المقالات الصحفية العديدة المؤيدة له, قامت وزارة العدل بإطلاق سراحه في 12 آذار 1946, مستندة بذلك الى قانون وعد الشرف, دون شرط,  ودون أن يوقع أي تعهد. وعاد الى منزله في هاملتون-ألاباما, منهيا بذلك 193 يوما امضاها في عدم التعاون الكلي.

وما زالت قضية الطلاب السبعة والحق بالكرسي في مواجهة مستمرة مع ملك الكراسي الذي ما زال يحتفظ حتى اليوم بكل إمتيازاته، وينتقل من دولة إلى أخرى بعد كل خسارة يمنى بها في مكان ما، ولكنه يقوي نفسه دائما ويعود من جديد، مهدداً باخذ الكراسي وحرماننا من أن نجلس ونحن نتعلم.

إذا أردت محاربة ملك الكراسي وباقي الملوك من سارقي الحقوق ومنتهكي القانون،  إطبعوا منشوراتكم الخاصة بكم، وأسسوا حملاتكم الخاصة بكم، وكونوا متاكدين أنه يوجد حولكم الكثير  ممن يريدون العمل معكم لإرجاع الحق وإنهاء الظلم.

About www.thecoc.org
The Human Rights Force [;-;] The Human Rights Media [;-;] The Human Rights Congress [;-;] The Human Rights Prosecutor Office (Citizens Protector) [;-;] The Human Rights and Strategic Nonviolent Struggle Academy [;-;]

Comments are closed.

%d bloggers like this: